المقريزي

189

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

يعني سنة خمس وستين وستّ مائة - اهتمّ السّلطان بعمارة جامع بالحسينيّة ، وسيّر الأتابك فارس الدّين أقطاي المستعرب والصّاحب فخر الدّين محمد بن الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن حنّا وجماعة من المهندسين لكشف مكان يليق أن يعمل جامعا . فتوجّهوا لذلك واتّفقوا على مناخ الجمال السّلطانية ، فقال السّلطان : / لا واللّه لا جعلت الجامع مكان الجمال ، وأولى ما جعلته ميداني الذي ألعب فيه بالكرة وهو نزهتي . فلمّا كان يوم الخميس ثامن شهر ربيع الآخر ركب السّلطان وصحبته خواصّه ووزيره الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن حنّا القضاة والأئمة « ( a » ، ونزل إلى ميدان قراقوش ، وتحدّث في أمره وقاسه ورتّب أموره وأمور بنائه ، ورسم بأن يكون بقية الميدان وقفا على الجامع يحكر ، ورسم بين يديه هيئة الجامع ، وأشار أن يكون بابه مثل باب المدرسة الظّاهريّة ، وأن يكون على محرابه قبّة على قدر قبّة الشّافعيّ - رحمة اللّه عليه « ( b » . وكتب في وقته الكتب إلى البلاد بإحضار العمد الرّخام الكبار « ( c » من سائر البلاد ، وكتب بإحضار الجمال والجواميس والأبقار والدّواب من سائر الولايات ، وكتب بإحضار الآلات من الحديد والأخشاب النّقيّة برسم الأبواب والسّقوف وغيرها .

--> ( a بولاق : الوزير . ( b المسوّدة : رضي اللّه عنه . ( c بولاق : عمد رخام . - المحراب ، ثم سقطت مئذنته ، ولم يبق منه إلّا جدرانه الخارجية المبنية بالحجر النحيت . وجعل الجامع في العصر العثماني مخزنا للمهمّات الحربية كالخيام والسّروج ، واستخدمه الفرنسيون زمن الحملة كقلعة وثكنة للجنود ( الجبرتي : عجائب الآثار 3 : 56 ) ، ثم جعل مخبزا للجراية ومعملا للصّابون في زمن محمد علي باشا ، وجعله الإنجليز زمن الاحتلال البريطاني مذبحا للجيش الإنجليزي وبطل الذّبح فيه سنة 1915 م ، وهذا سبب اشتهاره باسم « مذبح الإنجليز » . وفي سنة 1918 م غرست مصلحة التّنظيم أرض صحن الجامع وجعلته متنزّها عاما . وعمّرت لجنة حفظ الآثار العربية في سنة 1928 م الجزء الواقع عند المحراب وجعلته مصلّى ، وأصبح الدّخول لآداء الصّلاة من حائط القبلة . وتجري به الآن بعثة أمريكية بعض أعمال التّرميم والإصلاح .